الحكاية
صيّادية — من «صيّاد» — وُثّقت أوّل مرّة في كتاب طبخ لبناني سنة 1890، وشبه المؤكّد أنّ الطبق يسبق ذلك التوثيق بقرون. ينتمي إلى المدن الساحلية: طرابلس (حيث يُدّعى بأشدّ حماسة)، وجبيل، وصيدا، وصور. الطريقة هي منطق الصيّاد مرفوعًا إلى فنّ الطهي الرفيع: لا شيء يُهدَر. يدخل رأس السمك وعظامه قِدر المرق أوّلًا مع البصل المكرمل والبهارات الكاملة، فينتج مرقًا عميق النكهة بلون الكهرمان. ثمّ يُطبَخ الأرز في ذلك المرق، فيمتصّ كلّ طبقة نكهة صنعها البحر والنار. أمّا السمك نفسه — قاروص، أو لقز أحمر، أو هامور، أو أيّ ما عاد به الشبك ذلك الصباح — فيُحمَّر على حدة ويُوضَع فوق الأرز قُبيل التقديم، كي يبقى ذهبيًّا مقرمش الأطراف. تقنية البصل المكرمل على مرحلتين هي بصمة طبّاخ طرابلس: دفعة تذهب إلى المرق، ودفعة تُقرمَش حتى تشتدّ سوادًا للتزيين. يُقدَّم في ولائم الأعراس، وغداءات العائلة يوم الجمعة، وفي مطاعم السمك على كورنيش طرابلس حيث تنساب رائحة الطبق إلى الشارع. ويسافر الطبق إلى المهجر اللبناني في غرب أفريقيا وأميركا الجنوبية وأستراليا — مرتبطًا دائمًا بلحظة إحضار أحدهم سمكًا طازجًا إلى البيت.